فلسفة الوعد بالنصر والتمكين وقت حلول المحنة .. !!
تأملات في الوعد الحق من رب العزة للصحابة بالنصر والتمكين .. !!
الوعد الحق .. هو وعد الله تعالى لعباده وأوليائه بالنصر والتمكين, ووراثة المستضعفين المؤمنين مشارق الأرض ومغاربها .. يرسل هذا الوعد إلى المتقين على لسان رسله, فتطمئن قلوبهم وتخلص لله نفوسهم وأعمالهم..
لكن الأمر ليس بتلك البساطة .. نعم هو وعد الله الذي لا يخلف الميعاد, ﴿ ومن أوفى بعهده من الله ﴾([1]), لكن لابد أن يُثْبِتَ المؤمنون أنهم يستحقون النصر والتمكين في الأرض.
إنه صراع نفسي عنيف بين الحق والباطل, فالله تعالى ينصب الجنة على مرمى البصر لمن رغب فيها, ويحفها بالمكاره حتى تكون لذة الوصول إليها أجمل وأشهى, وحتى لا يدخلها إلا من يستحقها, ولا يتساوى المسلم والمجرم, قال تعالى: ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ﴾([2]).
إن المؤمنين يمرّون بتجارب مريرة, قد تستنفذ طاقاتهم وصبرهم وأعمارهم, يرون الباطل في أضعاف أضعاف قوتهم, متحكما فيهم متجبرا عليهم, يسومهم سوء العذاب .. وفي أثناء تلك المعاناة تأتيهم البشرى على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله ناصرهم!! وهنا يبدأ الصراع النفسي العنيف, والذي قد يحسبه الكثيرون فتنة وشراً, لكن رب السماوات والأرض له حكمة في كل ذلك ..
إنه يريد أن تصقلهم المعاناة حتى تزداد قوة تحملهم, لأن مهمتهم في الكون خارقة وليست عادية ..
إنهم مسؤولون عن إخراج الناس من الظلمات إلى النور, مسؤولون عن تعريف الخلق بخالقهم, وبنزع لواء السيطرة من أيدي الباطل ليرفعوه بحقه .. وبغير تلك المعاناة التي هي في الحقيقة تربية حكيمة واعية, لن يتحمل أحدهم مواجهة الباطل وأهله بجبروتهم وطغيانهم ..
إن رجلا يتحمل كيّ النار على جلده ولا يتراجع عن إيمانه, ويصمد أمام التهديد بالقتل أو الإيذاء البالغ, خليق أن يكون قائدا للأمم, ومربيا للشعوب .. حتى إذا مرت بالأمة الناشئة أزمة كان هو رابط الجأش قوي الشكيمة, لا تهزه فتنة ولا يثنيه الإغراء بالدنيا عن رسالته وهو الذي رأى الموت بعينيه مرات ومرات.
كما أن حكمة الله البالغة أن تكون نفوس الناس على درجات, فمنهم من يكمل الطريق الوعر ومنهم من يفتتن, فيتميز المؤمنون إلى قادة وجنود, حتى يسير كل شيء وفق نظام محدد لا يختل عند هبوب العواصف وتكالب الأعداء.
وينسلخ ويخرج من الصف أيضا من كان ليس من أهله, وانضم إليهم لشيء في نفسه, يريد بذلك مسايرة كل جديد فربما يكون له فيه مصلحة .. وهؤلاء طاعون يصيب الدعوات والحركات المُصلِحة الخيّرة في مختلف العصور, فكم من دعوة قضى عليها جشع المنافقين, إذْ لم يظهروا على حقيقتهم في فتنة أو ابتلاء يعرف من خلاله المؤمنون بأسهم وصبرهم كيف هو..
ومن أبلغ الحكم في إلقاء البشارة وقت المعاناة, تصبير المؤمنين الصالحين على ما يلاقونه من الأذى, وأن بعد هذا العسر يسرا, فيحدث أيضا أن يتميز الناس فريقين, فريق يصدّق الله تعالى في إيمانه بالغيب وبموعود ربه, وفريق يكفر بالله ورسوله وموعوده .. ولا يخفى ما في ذلك أيضا من المصلحة الكبيرة لأهل الإيمان..
كما أن لتحقق وعد الله تعالى مراحل ينبغي أن يمر بها المؤمنون, ويعرفها من جاء بعدهم حتى يسيروا على نفس الطريق, ولا يفرّطوا في الصدارة التي منحهم الله إياها .. قال تعالى: ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾([3]), وقال تعالى أيضا: ﴿ فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ﴾([4]).
أما عن كيفية تناول تحقق هذا الوعد الإلهي لعباده وأوليائه في كتب التاريخ أو التراجم, فهي فن لا يحسنه إلا القليل من الناس أصحاب المواهب .. فالكتابة عن الرجال العظماء وتسجيل مواقفهم هي أفضل فنون الكتابات التاريخية, ولا أشك أبدا أن خير تعبير عن التاريخ هو تدوين تصرفات رجاله وأبطاله, فتصرفاتهم في المواقف المختلفة هي التطبيق العملي لروح التاريخ, وهي كذلك المرآة التي تكشف لنا ما أودعه الله تعالى في التاريخ من السنن والقوانين التي لا تتغير ولا تتبدل .. ومن هنا جاءت فائدة مطالعة هذه النوعية من الكتب ..
وللحق .. لا أجدني أستمتع وأنا أقرأ كتب التاريخ التنظيرية أو الفلسفية؛ ذلك لأنها تتكلم عن قواعد ونظريات جوفاء جامدة, لا تمس شغاف القلوب ولا تحقق الهدف المنشود منها .. قد يستفيد بها المؤرخ المتخصص في وضع كتاب, أو توثيق حدث من الأحداث .. لكنها لا تفيد من أراد الاستلهام من التاريخ والبحث عن درره شيئا .. فلا يحلو المقال إلا إذا زينه المثال ..
وقد سألني أحدهم ذات مرة عن السير والتراجم ولمن أحب أن أقرأ, ولماذا أنا مولع بها؟ ألم يكن يكفيني أن أقرأ في كتب التاريخ ومراجعه عن المواقع والحروب والأحداث؛ فأعرف بها من كان فيها وكيف كان أثره؟ ..























